محمد جواد مغنية

214

في ظلال نهج البلاغة

الآن تلعب السياسة دورها في هذا الشقاق وزيادة الهوة بين أهل الأديان والمذاهب ، وتكلمنا عن اختلاف المسلمين في شرح الخطبة 111 فقرة « المذاهب الأربعة » ( من أخذ بها - إلى - السرائر ) . المؤمن الصادق هو الذي يعرف الحق ، ويرتاح اليه ، ويحرص عليه ، ويعبر عنه بأفعاله قبل أقواله ، ومن فاز بهذه الفضيلة فهو الرابح الناجح دنيا وآخرة وإلا كان من الخاسرين وإن ملك الجاه والمال . ( ومن لا ينفعه حاضر لبه إلخ ) . . الانسان بعقله ، ما في ذلك ريب ، ويظهر من كلام الإمام أن العقل يحضر ويغيب ، ولكنه ما أشار إلى شيء يدلنا : متى يحضر ، ومتى يغيب ، ولذا اختلف الشارحون في ذلك على أربعة أقوال ، وكلها بعيد عن الواقع . والذي عرفناه بالتجربة والملاحظة ان الانسان منفردا غيره مع الجماعة . . انه يكفر ويبصر بعقله ، وهو منفرد أما مع الجماعة فيتأثر بها ، بل يصبح جزءا منها ، ويغيب عقله عنه من حيث لا يشعر ، وعلى هذا يكون مراد الإمام ان من لا ينتفع بعقله ، وهو منفرد وبعيد عن التأثر بالتقليد وآراء الغير فبالأولى أن لا ينتفع به إذا قلَّد وتأثر بالآخرين . ( اتقوا نارا إلخ ) . . البعث والحشر حق ، والجنة والنار عدل ، وللإيمان بهما آثار نافعة دنيا وآخرة ، ومن آثاره أن من ينكر البعث والجزاء يندفع وراء أهوائه بلا حدود حيث يرى أن الحياة هي فرصته الوحيدة للانتفاع والاستمتاع ، أما من يؤمن بالبعث والجزاء فيحجم ويتورع خوفا من العقاب والعذاب ، ففي الإحجام عن محارم اللَّه مصلحة الفرد والجماعة ، والمتقون في الدنيا هم الفائزون في الآخرة . ( ألا وإن اللسان الصالح إلخ ) . . المراد باللسان الصالح الذكر الجميل ، والمعنى خير للمرء أن يترك الثناء الطيب عليه بعد موته من أن يترك الثراء لورّاثه . وفي شرح ابن أبي الحديد أن مخبرا جاء للإمام ( ع ) يبشره بأن عينا خرارة قد انفجرت في أرض كانت آنذاك في حيازة الإمام ، فقال للمخبر : بشر الوارث ، بشر الوارث يكررها مرارا ، ثم وقف الأرض والعين على الفقراء ، وكتب بذلك كتابا في تلك الساعة .